ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي

126

الوشى المرقوم في حل المنظوم

ولم يقتصر ابن الأثير على هذا الاتجاه فقط ، بل تعداه إلى : « حفظ الأشعار الكثيرة التي لا يحصرها عدد مما يكون كل بيت منه في الجودة بمنزلة قصيد من غيره » « 1 » . ولم يقف ابن الأثير في حفظه عند هذا الحد بل زاد عليه كثيرا ، يقول : « وكنت حفظت من الأشعار القديمة والمحدثة ما لا أحصيه كثرة ، ثم اقتصرت بعد ذلك كله على شعر الطائيين : حبيب بن أوس ، وأبى عبادة البحتري ، وشعر أبى الطيّب المتنبّى ؛ فحفظت هذه الدواوين الثلاثة ، وكنت أكرر عليها بالدرس مدة سنين ؛ حتى تمكنت من صوغ المعاني ، وصار الإدمان لي خلقا وطبعا » « 2 » . وللحقيقة فإن ابن الأثير ، ومن خلال هذا الكتاب ، لم يكن هذا كل موروثه الثقافي ، بل إننا نجد كثيرا من الأشعار لشعراء آخرين ، من بينهم أبو نواس الحسن ابن هانئ وابن الرومي وديك الجن ودعبل الخزاعي ومسلم بن الوليد صريع الغوانى وامرؤ القيس ، وأوس بن حجر . وفوق كل ذلك فهو عليم بالقراءات المتعددة للقران الكريم ، وحافظ غير الأحاديث الصحيحة الكثير من الأحاديث الضعيفة والموضوعات . ومما سبق نلاحظ أن الموروث الثقافي لدى ابن الأثير كثير ومتنوع ، وينبنى بعد اللغة والمعارف الأخر على صحيح الدين ، وهي المعادلة التي قصد إليها الشيخ شاكر ليكون للإنسان ثقافة - بكل ما تعنيه هذه الكلمة دونما انحراف عن مسارها الصحيح - يعتد بها . لقد أخذ ضياء الدين بن الأثير على عاتقه مهمة أن يكون مثقفا ، فشرب ونهل ، وعلل نفسه بمشارب شتى ، بل نستطيع أن نؤكد أنه كان ملما بالعديد من الأمور التي يمكن أن يحتاجها من سيدخل مضمار الكتابة . مؤكدا أن من بينها الإلمام بلغات أخرى وذلك في قوله : « وكنت سافرت إلى بلاد الروم في سنة ستمائة ؛ فلما دخلت مدينة ملطية ؛ أخبرت عن خطيبها أن عنده أدبا وفضلا ، وأنه يقول الشعر ؛

--> ( 1 ) انظر ص 171 . ( 2 ) انظر ص 181 .